الشيخ علي القوچاني

209

تعليقة القوچانى على كفاية الأصول

ثم إن ما ذكرنا من اثبات الاطلاق وعدم ترجيح أحدهما على الآخر انما هو مع عدم القرينة ، فلا ينافي ثبوت خصوص الفور بالدليل الخارجي بنحو الأفضلية بحيث يكون اتيان المأمور به في أول الوقت أو ثانيه له خصوصية زائدة على اتيانه في آخره كما في أوقات الفضيلة للصلاة ، أو بنحو الوجوب كما في الحج في السنة الأولى بالنسبة إلى غيرها . نعم قد يدّعى الفورية مطلقا بدلالة العقل بحسن المسارعة والاستباق إلى إطاعة المولى بعد العلم بمطلوبه لكشفه عن حسن سريرة العبد مع المولى ورغبته إلى انقياده ، بخلاف التأخير فانّه يكشف عن خبث سريرته وكونه غير راغب بإطاعته ومتهاونا ؛ فيه ولا اشكال في كون الأول ممدوحا عند العقلاء كمذمومية الثاني عندهم . ثم انّ الظاهر من آية المسارعة والاستباق الارشاد إلى ما حكم به العقل من حسن المسارعة في الإطاعة فيتبع ما يرشد اليه من الوجوب والاستحباب ، لا الحكم به عن مولوية وجوبا ، وإلّا لزم تخصيص الكثير أو الأكثر ، نظرا إلى شمول آية الاستباق لكل الخيرات من الواجب والمستحب لكون الخيرات جمعا محلّى باللام مفيدا للعموم ؛ وكذا آية المسارعة نظرا إلى كون النكرة وهو مَغْفِرَةٍ « 1 » الموصوفة بصفة الجنس وهو مِنْ رَبِّكُمْ دالة على العموم ، مع إباء المسارعة إلى المغفرة عن التخصيص . ثم انّ ما ذكرنا من حكم العقل بحسن المسارعة غير ما هو ظاهر القائلين بالفورية ، حيث انّ الظاهر منهم استفادة الفور قيدا للمادة واقعا بحيث يكون الاتيان في أول أزمنة الامكان بخصوصية ملزمة للاتيان معجلا ، لا مجرد الحسن في

--> ( 1 ) في آية « وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » من سورة آل عمران : 133 .